ژان شاردن ( تعريب : صلاح صلاح )

78

رحلات في فارس

هناك طائر في فارس غريب و رائع بسبب تأثير ماء النبع على طبيعته إذ يشمه و يتبعه أينما كان بولع لا يوصف . حجمه مثل دجاجة ، ريشه أسود ، لحمه رمادي ، جناحاه واسعان و يطير في أسراب مثل الزرزور ، و يعيش على الجنادب أينما وجدها . إذا ابتليت بلد بهذه الحشرات المؤذية ، على أهلها التخلص منها بواسطة أسراب من هذه الطيور . يطلق الفرس عليها اسم " أمبيليك " أي ماء الجندب ، ملمحين أن هذا الطير تغريه مياه معينة و يأكل الجنادب . يأتي الماء الذي له تأثير قوي عليها من ينبوع في بختيار ، حيث يجلب في قوارير زجاجية متروعة السدادة و يحتفظون به دوما في مكان مرتفع طليق الهواء في الطريق و البيت . تحط الطيور ، التي تتبعه ، رغم أنها لا تشرب قطرة منه ، دوما قرب المكان الذي توضع فيه ، ثم تأخذ في الطيران ثانية عندما يضعه من يحملونه في مكان متقدم آخر . سأورد هنا في هذا الخصوص قطعة من حكاية شرقية قديمة تدعى " رحلات فيلامونت " ترد في صفحة 97 ، تؤكد على صحة قولي . في قبرص ، قرب موعد الحصاد ، تظهر في الأرض جنادب عديدة تحجب أحيانا ضوء الشمس ، تحرق أينما حلت ، لكن هذا لا يوقفها ، و تدمر كل شيء ، و كلما زاد تدمير المرء لها ، كلما ولدت الأرض مزيدا منها . لذا ، خلق اللّه هذه الطيور أداة للقضاء على الجنادب . توجد في فارس قرب مدينة كورش نافورة تقضي مياهها على هذه الجنادب ، شريطة أن تجلب في قارورة كبيرة و لا توضع تحت بيت أو كهف ، بل في مكان مرتفع يقع تحت مرمى نظر بعض الطيور التي تتبعه طائرة خلف الرجال الذين يجلبونها و يصيحون به شكل متواصل . هذه الطيور حمراء و سوداء و تطير في سرب مثل الزرزور . يطلق الأتراك و الفرس عليها اسم " مسلمان " . لم تعد هذه الطيور تأتي إلى قبرص ، حيث توجد الجنادب ، لأنها تقتل أثناء طيرانها و تغريدها ، لكنها تختفي إذا ضاعت المياه أو سكبت ، كما حدث عندما احتل الأتراك الجزيرة و صعد أحدهم إلى قمة برج كاتدرائية فاماجوستا ، و لما وجد